عز الخوي
23/04/2003, 07:02
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التعليم رهان المستقبل ولن نكسبه ما لم يتم إصلاحه
معجب الزهراني
أكتب هذا المقال دفاعا عن الحق في إبداء الرأي والجدل بالتي هي أحسن وأنفع، خاصة حين يتعلق الأمر بقضية مصيرية كقضية التعليم التي أثارها مجددا الأستاذ الدكتور حمزة المزيني. فالكاتب من خيرة المتخصصين في العلوم اللغوية الحديثة في جامعاتنا على قلِّتهم فيها وفي معظم الجامعات العربية. وحين يخرج عن تخصصه ليكتب في المجال الثقافي العام يقدم لنا جميعا درسا بليغا في وضوح الرؤية وصرامة الوعي ويقظة الضمير والجرأة المحمودة في التعبير عن الرأي والموقف بأقصى قدر ممكن من العمق والشفافية. ولا شك أن بعض تعبيراته الدقيقة والمباشرة صادمة لمن لم يتعود سماع الرأي المختلف، ولمن لا يميز بين الرأي والحقيقة، ولمن يتوهم ويصدِّق أن الحق على طرف لسانه وطوع بنانه، وهم كثر في مجتمع تكاد ثقافته السائدة تنحصر في مديح الذات وهجاء الآخر والعالم!.
وتكاد ترقى القضية المطروحة إلى مرتبة الإشكال الذي تولد وتكرس على مدى زمني طويل ويحتاج إلى فترة زمنية طويلة كي نعي خطره ونتعاون على مجابهته والحد من آثاره السلبية على مستقبل أجيال ستُفرض عليها تحديات أشق بكثير مما نواجهه اليوم. وأزعم، أكثر من ذلك، أن هذا الإشكال يمتد من روضة الأطفال إلى الجامعات، ومن هنا فوزارة المعارف واحدة من مؤسسات اجتماعية وتربوية تعليمية ينطبق عليها كلها قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك بلية أو كنت تدري فالبلية أعظم!
ونظرا لما نعانيه من عقد متراكمة تجاه "الغرب" إذ نتوهم أنه كتلة واحدة ونراه بعين واحدة ونتحدث عنه بلسان واحد، كثيرا ما نتمنى أن يستعين المسؤولون عن هذه المؤسسات بخبراء من اليابان "الشرقية" أو ماليزيا "المسلمة" عسى أن يذكِّروهم بأن الفشل في رهان التعليم يعني، ببساطة، المزيد من التخلف والضعف والاعتماد على ذلك الغرب الذي نهجوه صباح مساء ونعتمد على منجزاته في كل شأن من شؤون حياتنا! فما نكرره عن أخلاقنا الفاضلة وأفكارنا الصالحة لكل زمان ومكان لن ينفعنا في شيء، لأن كل أمة بما لديها فَرِحة، ولأن الخيرية بالمعنى الديني الضيق في خطابنا إما أن تفضي بنا إلى الخيرية الدنيوية وإلا فلن تقنع إلا السذج منا.
من هذا المنظور أعود إلى القضية الجزئية التي كتب عنها الدكتور المزيني وتتعلق بالأنشطة التي تلبس لبوس التوعية الدينية فيما هي، في أغلب الأحوال، جزء من عمل أيديولوجي منظم قد لا يدرِك المعلمُ نفسُه خلفياتِه وأهدافَه، أي إنه قد يكون ضحية بريئة مثله مثل الطالب تماما. فسواء اتجه النشاط إلى تكريس ثقافة الموت أو إلى التنفير من جاهليات العصر الحديث أو إلى تحقير جنس النساء أو إلى تنمية بذور الولاءات المذهبية، فإنه يظل مندرجا ضمن خطاب الغلو الذي يفترَض ألا يُبثَّ ويلقَّن لأبنائنا وبناتنا لأنه يشوه صورة الإسلام في أذهانهم ويسوغ كل ما يقذفنا به الآخرون من حين لآخر. ومما يدل على أن هذا الخطاب لا يزال قويا في هذه المؤسسات التربوية التعليمية ما أرويه هنا باختصار آملا أن يروي آخرون وأخريات حكاياتهم الخاصة حتى لا نكذب على أنفسنا فنظن أن الأمر يتعلق بحالات فردية يستغلها "علمانيون مغرضون" للنيل من عقيدة الأمة كما يشاع زورا وبهتانا كلما تعرض باحثونا ومفكرونا إلى قضايا كهذه.
فيدرس ابني في الصف الأول المتوسط في مدرسة خاصة ما اخترتها إلا لأنها أكثر مرونة وشفافية من المدارس الحكومية ثم لأن فيها بعض المواد الإضافية وبعض الأنشطة اللاصفية التي تخفف من كآبة الدراسة التلقينية في المدارس الحكومية. وفي بداية الفصل الأول أخبرني أنه انضم إلى جماعة "التوعية الإسلامية" فوافقت وشجعته على الإفادة من التجربة على الرغم من أنني شعرت بمفارقة ما في اختياره وقراره. فأنا أعرف جيدا أنه متعلق بالحاسوب وأن له ميلا قويا إلى الأنشطة الفنية، خاصة فن الخط، وأن هواه الأقوى يتجه إلى الأنشطة الرياضية، خاصة كرة القدم التي يبدو أنه ماهر فيها، لذا اختير عضوا في الفريق الذي يمثل مدرسته لأكثر من مرة. تحيَّنت الفرصة لسؤاله عن سبب تركه كل هذه المجالات والانخراط في تلك الجماعة فإذا به يخبرني أن المشرفين عليها وعدوه وغيره من "الطلاب المتفوقين" بالكثير من الرحلات والزيارات والهدايا. لم يتغير موقفي لقناعتي بأهمية تنويع أنشطته وتجاربه ولأنني أتابع تحصيله وأنشطته كأي أب يعي مسؤولياته ولا يلقي بكل شيء على عاتق المدرسة والمعلم ونظام التعليم الذي لا يرقى إلى طموحاته.
في إحدى المرات زار مع رفاقه مؤسسة خاصة تنتج وتوزع "الشريط الإسلامي" وعاد بهدية سخية من هذه الأشرطة الوعظية التي تصلح للعوام ومن في حكمهم لا للنشء الذي يفترَض أن يربى على زاد معرفي وفكري ينفعه في المستقبل. ولقد سررت حين قرر مساء اليوم نفسه التخلص منها إذ لم يجد فيها ما يمتع أو يفيد حسبما قال. لكنني صدمت حقا حين ألقيت عليها نظرة صباح اليوم التالي لأجد أن معظمها عن "ثقافة الموت" التي كتب عنها المزيني وبعضها عن المرأة كما يتصورها خطاب يكرر ليل نهار أنها ناقصة عقل ودين وأن نقصها الفطري هذا يحتم عليها أن تظل تحت المراقبة الصارمة للرجل الذي يمثل "الإنسان الكامل"!
ولم يكن يمر أسبوع إلا وابني يحاورني في مدى جواز اقتناء التلفاز وتصوير الكائنات الحية والسلام على من هم من غير ديننا أو مذهبنا ولبس البنطلون والقميص... إلخ. هكذا، وعلى الرغم من ثقتي بعقل ابني وهو في هذه السن، كان لا بد لي من الذهاب مرارا إلى إدارة المدرسة للتنبيه على أن هذا هو خطاب التشدد والغلو الذي ليس من الحكمة تلقينه للطلاب في هذه المرحلة الحساسة من أعمارهم. بل إنني توجهت في إحدى المرات إلى المدير العام للمجمع المدرسي الكبير واقترحت عليه أن يدعو بعض علماء الدين المتنورين لتبصير هؤلاء المعلمين الذين بُرمجوا على هذا الخطاب حتى أصبحوا على ثقة عمياء بأنه الخطاب الديني الأمثل. فوعدني خيرا ولا أدري ماذا فعل بعد ذلك. لحسن الحظ أن ابني نفسه أبدى رغبته في التحول إلى "جماعة المكتبة" فأراح واستراح.
لقد حلَّت مشكلة فردية على هذا النحو لكن الإشكال العام لا يزال قائما في مختلف مؤسساتنا التربوية التعليمية ولا حاجة في ظني إلى جهد كبير للتأكد من ذلك.
وحين تناقش أمورا كهذه مع أكاديميين مثلنا تجد نسبة كبيرة منهم تدرك جيدا أن جزءا مهمّا من برامجها تجمع بين الحشف وسوء الكيل، أي بين التلقين البارد للمعلومات والأفكار وبين القولبة الأيديولوجية الصارمة التي تجعل متعلمي اليوم، جلهم، أكثر انغلاقا من الجيل السابق الذي علمته مدرسة الحياة أفكارا وقيما أكثر سوية وإنجازية! لماذا، إذن، لا يطرح هؤلاء "المثقفون" آراءهم خارج فضاءات التواصل الخاص؟ إنه الحذر من مصادمة تيار يحتكر الحديث باسم الدين وقد يلحق الأذى المعنوي أو المادي بمعارضيه ولهذا السبب تحديدا أعود فأثني على الدكتور المزيني، وأمثاله، لأنه يعلمنا الحقائق المطلقة بقدر ما يعودنا على فضيلة الجرأة في إبداء الرأي والاحتكام إلى منطق العقل السليم والفكر العلمي الصارم في كل مرة نناقش فيها قضايا الإنسان في ضوء معطيات الواقع وتجارب التاريخ. وعلينا جميعا دعم هذا التوجه لأن الأمر يتعلق بحق لنا وواجب علينا. وسواء اتفقنا أم اختلفنا حول قضية ما فلا بد أن يشتغل المبدأ العام لصالح المجتمع والدولة والأمة والإنسانية جميعا.
في مساء الخميس 15/2 جمعتني مناسبة بالدكتور حمزة المزيني وشكا لي كثرة الاتصالات التي انهالت عليه، ومعظمها يبدأ بالوعظ وينتهي بالإدانة والتهديد. جرَّبت أن أرد نيابة عنه على بعض المهاتفات كي أتيقن بنفسي مما قال، وفوجئت حقا بالنبرات الانفعالية الحادة في كلام أناس لا يقيمون أي اعتبار لأستاذ جامعي مرموق أفنى زهرة عمره في التعلم والكتابة والترجمة والتعليم، فيما يبدو جليا أن أغلبهم يضيع وقته في الثرثرة دفاعا عن أفكار تزيد من غربته عن الواقع والعالم والحياة، هذا إن لم تأخذه الحماسة الفجة لثقافة الموت إلى موت مجاني هنا أو هناك!
جربت أن أستعمل بعض التعبيرات بطريقة تعزيمية علاجية (مثل: جزاك الله خيرا، إن شاء الله، يهدينا الله ويهديك إلى ما فيه الخير... إلخ) وكانت بعض المكالمات تنتهي ببعض السلام! جربت هذه الطريقة لأنه بدا لي من المحال أن أقنع الطرف الآخر من خلال الحوار فيما هو يصر على أن ما كُتب ضلال صريح وأن في مناهجنا فسقيات وكفريات و"أهل العلم" وحدهم من يفهمها وينبغي أن يتصدى لها!.
وحين راجعت في اليوم التالي مقالات الدكتور المزيني تساءلت عن سبب هذا الهجوم العنيف فيما هي أقل حدة وصرامة من كتابات بعض الأسماء الشابة من "الصحوة"، بدأتْ تكتب عن خفايا وتناقضات ومخاطر توجهاتها في بعض صحفنا المحلية والهاجرة! لم أجد سببا وجيها لهذا الأمر إلا أن الدكتور المزيني لامس المجال الاستراتيجي لذلك الخطاب، أي مجال التربية والتعليم الذي لا يفسده أكثر من تحويله إلى موضوع للرهانات الأيديولوجية الضيقة كما يعلم المختصون.
وهنا تحديدا تساءلت عن ردود الفعل فيما لو كتب المزيني أو غيره عن "تعليم البنات" الذي كان ولا يزال، حسب علمي، يتخذ شكل البرمجة التقليدية التي تتم في عتمة مؤسسات يتحكم فيها منطق المراقبة والعقاب، وهو منطق غير تربوي بأي معيار نظرنا إليه!.
أترك السؤال مفتوحا لعل النقاش يتصل ويتسع، خاصة أن ردود الفعل على "غزوة نيويورك" المشؤومة وضعت الأمة كلها على المحك وتحت الضوء والله المستعان.
كاتب سعودي
التعليم رهان المستقبل ولن نكسبه ما لم يتم إصلاحه
معجب الزهراني
أكتب هذا المقال دفاعا عن الحق في إبداء الرأي والجدل بالتي هي أحسن وأنفع، خاصة حين يتعلق الأمر بقضية مصيرية كقضية التعليم التي أثارها مجددا الأستاذ الدكتور حمزة المزيني. فالكاتب من خيرة المتخصصين في العلوم اللغوية الحديثة في جامعاتنا على قلِّتهم فيها وفي معظم الجامعات العربية. وحين يخرج عن تخصصه ليكتب في المجال الثقافي العام يقدم لنا جميعا درسا بليغا في وضوح الرؤية وصرامة الوعي ويقظة الضمير والجرأة المحمودة في التعبير عن الرأي والموقف بأقصى قدر ممكن من العمق والشفافية. ولا شك أن بعض تعبيراته الدقيقة والمباشرة صادمة لمن لم يتعود سماع الرأي المختلف، ولمن لا يميز بين الرأي والحقيقة، ولمن يتوهم ويصدِّق أن الحق على طرف لسانه وطوع بنانه، وهم كثر في مجتمع تكاد ثقافته السائدة تنحصر في مديح الذات وهجاء الآخر والعالم!.
وتكاد ترقى القضية المطروحة إلى مرتبة الإشكال الذي تولد وتكرس على مدى زمني طويل ويحتاج إلى فترة زمنية طويلة كي نعي خطره ونتعاون على مجابهته والحد من آثاره السلبية على مستقبل أجيال ستُفرض عليها تحديات أشق بكثير مما نواجهه اليوم. وأزعم، أكثر من ذلك، أن هذا الإشكال يمتد من روضة الأطفال إلى الجامعات، ومن هنا فوزارة المعارف واحدة من مؤسسات اجتماعية وتربوية تعليمية ينطبق عليها كلها قول الشاعر:
إن كنت لا تدري فتلك بلية أو كنت تدري فالبلية أعظم!
ونظرا لما نعانيه من عقد متراكمة تجاه "الغرب" إذ نتوهم أنه كتلة واحدة ونراه بعين واحدة ونتحدث عنه بلسان واحد، كثيرا ما نتمنى أن يستعين المسؤولون عن هذه المؤسسات بخبراء من اليابان "الشرقية" أو ماليزيا "المسلمة" عسى أن يذكِّروهم بأن الفشل في رهان التعليم يعني، ببساطة، المزيد من التخلف والضعف والاعتماد على ذلك الغرب الذي نهجوه صباح مساء ونعتمد على منجزاته في كل شأن من شؤون حياتنا! فما نكرره عن أخلاقنا الفاضلة وأفكارنا الصالحة لكل زمان ومكان لن ينفعنا في شيء، لأن كل أمة بما لديها فَرِحة، ولأن الخيرية بالمعنى الديني الضيق في خطابنا إما أن تفضي بنا إلى الخيرية الدنيوية وإلا فلن تقنع إلا السذج منا.
من هذا المنظور أعود إلى القضية الجزئية التي كتب عنها الدكتور المزيني وتتعلق بالأنشطة التي تلبس لبوس التوعية الدينية فيما هي، في أغلب الأحوال، جزء من عمل أيديولوجي منظم قد لا يدرِك المعلمُ نفسُه خلفياتِه وأهدافَه، أي إنه قد يكون ضحية بريئة مثله مثل الطالب تماما. فسواء اتجه النشاط إلى تكريس ثقافة الموت أو إلى التنفير من جاهليات العصر الحديث أو إلى تحقير جنس النساء أو إلى تنمية بذور الولاءات المذهبية، فإنه يظل مندرجا ضمن خطاب الغلو الذي يفترَض ألا يُبثَّ ويلقَّن لأبنائنا وبناتنا لأنه يشوه صورة الإسلام في أذهانهم ويسوغ كل ما يقذفنا به الآخرون من حين لآخر. ومما يدل على أن هذا الخطاب لا يزال قويا في هذه المؤسسات التربوية التعليمية ما أرويه هنا باختصار آملا أن يروي آخرون وأخريات حكاياتهم الخاصة حتى لا نكذب على أنفسنا فنظن أن الأمر يتعلق بحالات فردية يستغلها "علمانيون مغرضون" للنيل من عقيدة الأمة كما يشاع زورا وبهتانا كلما تعرض باحثونا ومفكرونا إلى قضايا كهذه.
فيدرس ابني في الصف الأول المتوسط في مدرسة خاصة ما اخترتها إلا لأنها أكثر مرونة وشفافية من المدارس الحكومية ثم لأن فيها بعض المواد الإضافية وبعض الأنشطة اللاصفية التي تخفف من كآبة الدراسة التلقينية في المدارس الحكومية. وفي بداية الفصل الأول أخبرني أنه انضم إلى جماعة "التوعية الإسلامية" فوافقت وشجعته على الإفادة من التجربة على الرغم من أنني شعرت بمفارقة ما في اختياره وقراره. فأنا أعرف جيدا أنه متعلق بالحاسوب وأن له ميلا قويا إلى الأنشطة الفنية، خاصة فن الخط، وأن هواه الأقوى يتجه إلى الأنشطة الرياضية، خاصة كرة القدم التي يبدو أنه ماهر فيها، لذا اختير عضوا في الفريق الذي يمثل مدرسته لأكثر من مرة. تحيَّنت الفرصة لسؤاله عن سبب تركه كل هذه المجالات والانخراط في تلك الجماعة فإذا به يخبرني أن المشرفين عليها وعدوه وغيره من "الطلاب المتفوقين" بالكثير من الرحلات والزيارات والهدايا. لم يتغير موقفي لقناعتي بأهمية تنويع أنشطته وتجاربه ولأنني أتابع تحصيله وأنشطته كأي أب يعي مسؤولياته ولا يلقي بكل شيء على عاتق المدرسة والمعلم ونظام التعليم الذي لا يرقى إلى طموحاته.
في إحدى المرات زار مع رفاقه مؤسسة خاصة تنتج وتوزع "الشريط الإسلامي" وعاد بهدية سخية من هذه الأشرطة الوعظية التي تصلح للعوام ومن في حكمهم لا للنشء الذي يفترَض أن يربى على زاد معرفي وفكري ينفعه في المستقبل. ولقد سررت حين قرر مساء اليوم نفسه التخلص منها إذ لم يجد فيها ما يمتع أو يفيد حسبما قال. لكنني صدمت حقا حين ألقيت عليها نظرة صباح اليوم التالي لأجد أن معظمها عن "ثقافة الموت" التي كتب عنها المزيني وبعضها عن المرأة كما يتصورها خطاب يكرر ليل نهار أنها ناقصة عقل ودين وأن نقصها الفطري هذا يحتم عليها أن تظل تحت المراقبة الصارمة للرجل الذي يمثل "الإنسان الكامل"!
ولم يكن يمر أسبوع إلا وابني يحاورني في مدى جواز اقتناء التلفاز وتصوير الكائنات الحية والسلام على من هم من غير ديننا أو مذهبنا ولبس البنطلون والقميص... إلخ. هكذا، وعلى الرغم من ثقتي بعقل ابني وهو في هذه السن، كان لا بد لي من الذهاب مرارا إلى إدارة المدرسة للتنبيه على أن هذا هو خطاب التشدد والغلو الذي ليس من الحكمة تلقينه للطلاب في هذه المرحلة الحساسة من أعمارهم. بل إنني توجهت في إحدى المرات إلى المدير العام للمجمع المدرسي الكبير واقترحت عليه أن يدعو بعض علماء الدين المتنورين لتبصير هؤلاء المعلمين الذين بُرمجوا على هذا الخطاب حتى أصبحوا على ثقة عمياء بأنه الخطاب الديني الأمثل. فوعدني خيرا ولا أدري ماذا فعل بعد ذلك. لحسن الحظ أن ابني نفسه أبدى رغبته في التحول إلى "جماعة المكتبة" فأراح واستراح.
لقد حلَّت مشكلة فردية على هذا النحو لكن الإشكال العام لا يزال قائما في مختلف مؤسساتنا التربوية التعليمية ولا حاجة في ظني إلى جهد كبير للتأكد من ذلك.
وحين تناقش أمورا كهذه مع أكاديميين مثلنا تجد نسبة كبيرة منهم تدرك جيدا أن جزءا مهمّا من برامجها تجمع بين الحشف وسوء الكيل، أي بين التلقين البارد للمعلومات والأفكار وبين القولبة الأيديولوجية الصارمة التي تجعل متعلمي اليوم، جلهم، أكثر انغلاقا من الجيل السابق الذي علمته مدرسة الحياة أفكارا وقيما أكثر سوية وإنجازية! لماذا، إذن، لا يطرح هؤلاء "المثقفون" آراءهم خارج فضاءات التواصل الخاص؟ إنه الحذر من مصادمة تيار يحتكر الحديث باسم الدين وقد يلحق الأذى المعنوي أو المادي بمعارضيه ولهذا السبب تحديدا أعود فأثني على الدكتور المزيني، وأمثاله، لأنه يعلمنا الحقائق المطلقة بقدر ما يعودنا على فضيلة الجرأة في إبداء الرأي والاحتكام إلى منطق العقل السليم والفكر العلمي الصارم في كل مرة نناقش فيها قضايا الإنسان في ضوء معطيات الواقع وتجارب التاريخ. وعلينا جميعا دعم هذا التوجه لأن الأمر يتعلق بحق لنا وواجب علينا. وسواء اتفقنا أم اختلفنا حول قضية ما فلا بد أن يشتغل المبدأ العام لصالح المجتمع والدولة والأمة والإنسانية جميعا.
في مساء الخميس 15/2 جمعتني مناسبة بالدكتور حمزة المزيني وشكا لي كثرة الاتصالات التي انهالت عليه، ومعظمها يبدأ بالوعظ وينتهي بالإدانة والتهديد. جرَّبت أن أرد نيابة عنه على بعض المهاتفات كي أتيقن بنفسي مما قال، وفوجئت حقا بالنبرات الانفعالية الحادة في كلام أناس لا يقيمون أي اعتبار لأستاذ جامعي مرموق أفنى زهرة عمره في التعلم والكتابة والترجمة والتعليم، فيما يبدو جليا أن أغلبهم يضيع وقته في الثرثرة دفاعا عن أفكار تزيد من غربته عن الواقع والعالم والحياة، هذا إن لم تأخذه الحماسة الفجة لثقافة الموت إلى موت مجاني هنا أو هناك!
جربت أن أستعمل بعض التعبيرات بطريقة تعزيمية علاجية (مثل: جزاك الله خيرا، إن شاء الله، يهدينا الله ويهديك إلى ما فيه الخير... إلخ) وكانت بعض المكالمات تنتهي ببعض السلام! جربت هذه الطريقة لأنه بدا لي من المحال أن أقنع الطرف الآخر من خلال الحوار فيما هو يصر على أن ما كُتب ضلال صريح وأن في مناهجنا فسقيات وكفريات و"أهل العلم" وحدهم من يفهمها وينبغي أن يتصدى لها!.
وحين راجعت في اليوم التالي مقالات الدكتور المزيني تساءلت عن سبب هذا الهجوم العنيف فيما هي أقل حدة وصرامة من كتابات بعض الأسماء الشابة من "الصحوة"، بدأتْ تكتب عن خفايا وتناقضات ومخاطر توجهاتها في بعض صحفنا المحلية والهاجرة! لم أجد سببا وجيها لهذا الأمر إلا أن الدكتور المزيني لامس المجال الاستراتيجي لذلك الخطاب، أي مجال التربية والتعليم الذي لا يفسده أكثر من تحويله إلى موضوع للرهانات الأيديولوجية الضيقة كما يعلم المختصون.
وهنا تحديدا تساءلت عن ردود الفعل فيما لو كتب المزيني أو غيره عن "تعليم البنات" الذي كان ولا يزال، حسب علمي، يتخذ شكل البرمجة التقليدية التي تتم في عتمة مؤسسات يتحكم فيها منطق المراقبة والعقاب، وهو منطق غير تربوي بأي معيار نظرنا إليه!.
أترك السؤال مفتوحا لعل النقاش يتصل ويتسع، خاصة أن ردود الفعل على "غزوة نيويورك" المشؤومة وضعت الأمة كلها على المحك وتحت الضوء والله المستعان.
كاتب سعودي