الجنوبي
06/10/2001, 21:20
ما من شيء شغل البشرية كالأكل والغذاء . نواجه هذه الحقيقة بنظرة سريعة على تراثنا الأدبي . وفي هذه الأيام تعتبر كتب الطبخ والغذاء عالمياً أكثر الكتب رواجاً . كان الفراعنة يعتقدون أن القلب هو عضو التفكير . ثم جاء الإغريق والعرب فنقلوا ذلك إلى المخ ، كله هراء . فبالنسبة لي المعدة هي موطن التفكير . لهذا نصحوا المرأة بأن تحسن إطعام زوجها ، فقالوا لها إن أقصر طريق لقلب الرجل هو معدته . وهكذا حرصت أمهاتنا على تعليم بناتهن إجادة الطبخ .
نشأت من ذلك تقاليد كثيرة عند سائر الشعوب . اعتاد مثلاً أهل العروس في العراق أن يبعثوا بفطور إلى العروسين بعد ليلة الدخلة ، يتكون من الكاهي والقيمر والشيرة . الكاهي نوع من رقائق المعجنات ، والقيمر هو القشطة ، والشيرة مستحلب السكر . الفكرة منها تعويض العريس عما استنفده من طاقة في تلك المعركة الضارية . ولكنني أرى شيئاً من المكر وراءها . فهذه في الواقع أكلة ثقيلة عسيرة الهضم ، ولا سيما عنصر القشطة فيها . أعتقد أن أهل العروس يبعثون بها للعريس ليشغلوا معدته بهضمها فتنحل قواه ويتشتت نشاطه وطاقته فيترك ابنتهم في الليلة التالية لتستريح وتستعيد عافيتها .
يقال مثل ذلك عن وليمة ليلة العرس التي تلتزم بها سائر الشعوب . الفكرة من ورائها إعداد العريس للمعركة بأكلة غنية سمينة . وهذا وهم فكم وكم من العرسان عادوا إلى مخدع العرس وهم في أسوأ حالة من التخمة وسوء الهضم . ولم يتطلعوا إلى شيء غير نومة عميقة تريحهم من كل ذلك متناسين كلياً مقولة : "لاتؤجل عمل اليوم إلى الغد" ، فيتركون العروس المسكينة تبكي وتندب حظها على هذا الزوج الخايب الهايف . كلا ، نصيحتي للعرسان : احذروا من الأكل . رحم الله من خفف .
من المعتقدات الجارية أيضاً أن أكل السمك يزيد الذكاء . صدق الناس ذلك في العصرالحديث بسبب كثرة الفسفور في السمك ، والفسفور هي مادة رئيسية في المخ . هذا طبعاً شيء خرافي . ففسفور أكلة المسقوف والصيادية أو الفسيخ لا ينتقل بهذه السهولة إلى المخ . كما أن الذكاء لا يتوقف على مجرد هذا العنصر ، وتغذية المخ عملية تبدأ منذ الطفولة لا بليلة الاختبار . ولكن الناس تمسكوا بهذا الاعتقاد ، لمجرد أن يلوموا السمكة البريئة على رسوبهم . كانت والدتي رحمها الله تحرص على طبخ السمك في أيام الاختبارات ، ولا سيما بالنسبة لأخي مظفر العاجز عن فهم درس الحساب . وكلما جاءت النتيجة فشلاً ورسوباً انهالت بالشتائم عليه : "خسرتنا فلوس السمك بالبلاش وبها الأيام السودة . والله لو كان أعطيت السمكة للقطة كان حصلت نتيجة أحسن" .
كلما شممنا رائحة سمك من أحد بيوت الجيران كانت رحمها الله تقول لنا : "اسكتوا يا أولاد ماتعملون ضجة بيت أبو أحمد عندهم اختبار" .
حدث أن حلت في البيت المجاور لنا عائلة شممنا منها رائحة طبخ السمك باستمرار . وتعجبنا من شأنها أن يكون عندهم اختبارات طوال السنة . حتى اكتشفنا أمرهم كانوا عائلة بصرية وأكل السمك عند أهل البصرة يكاد يكون فريضة وسنة .
أما المعتقدات الفولكلورية فحدث عنها . رأيت سيدة ألمانية تنظر نحو بهلع وعطف وهي تراني أشرب الماء بعد أكل كثير من الكرز ، لم تتمالك نفسها من تحذيري ، قالت: شرب الماء بعد الكرز يجعل معدتك في ويل وثبور . طبعاً لم يحدث أي من ذلك ، ولكنني لاحظتها تشرب اللبن بعد أكل السمك . وكدت أن أحذرها بأن ذلك سيعطيعها بقعاً بيضاء على بشرتها لو أن كل بشرتها كانت بيضاء على أي حال فلا فائدة من النصيحة مالم أغير الفكرة العراقية فأقول لها بقعاً سوداء .
يسهل علينا أن نصف كل هذه المعتقدات بأنها مجرد خرافات وأوهام يرفضها العلم الحديث . ولكن العلم الحديث لايقل عن ذلك بشيء في خرافاته . فقبل سنوات كانوا ينصحون الممعودين بأن يتحاشوا الأكل الليفي الخشن ، غيروا رأيهم الآن وراحوا ينصحوننا بأن نركز على أكل ذلك . كانو ينصحوننا بأن نقلل من شرب الشاي ثم قالوا إنه مفيد للقلب . وحتى القهوة حذرونا منها ثم نصحونا بها .
الرأي السليم هو ألا تسمع نصيحة أحد ، استشر معدتك فقط فهي الأدرى بما يضرك وينفعك ، ولم لا؟ فهي عضو التفكير عندنا .
بقلم : خالد القشطيني
المصدر : مجلة الأسرة العدد 98 جمادى الأولي 1422هـ .
نشأت من ذلك تقاليد كثيرة عند سائر الشعوب . اعتاد مثلاً أهل العروس في العراق أن يبعثوا بفطور إلى العروسين بعد ليلة الدخلة ، يتكون من الكاهي والقيمر والشيرة . الكاهي نوع من رقائق المعجنات ، والقيمر هو القشطة ، والشيرة مستحلب السكر . الفكرة منها تعويض العريس عما استنفده من طاقة في تلك المعركة الضارية . ولكنني أرى شيئاً من المكر وراءها . فهذه في الواقع أكلة ثقيلة عسيرة الهضم ، ولا سيما عنصر القشطة فيها . أعتقد أن أهل العروس يبعثون بها للعريس ليشغلوا معدته بهضمها فتنحل قواه ويتشتت نشاطه وطاقته فيترك ابنتهم في الليلة التالية لتستريح وتستعيد عافيتها .
يقال مثل ذلك عن وليمة ليلة العرس التي تلتزم بها سائر الشعوب . الفكرة من ورائها إعداد العريس للمعركة بأكلة غنية سمينة . وهذا وهم فكم وكم من العرسان عادوا إلى مخدع العرس وهم في أسوأ حالة من التخمة وسوء الهضم . ولم يتطلعوا إلى شيء غير نومة عميقة تريحهم من كل ذلك متناسين كلياً مقولة : "لاتؤجل عمل اليوم إلى الغد" ، فيتركون العروس المسكينة تبكي وتندب حظها على هذا الزوج الخايب الهايف . كلا ، نصيحتي للعرسان : احذروا من الأكل . رحم الله من خفف .
من المعتقدات الجارية أيضاً أن أكل السمك يزيد الذكاء . صدق الناس ذلك في العصرالحديث بسبب كثرة الفسفور في السمك ، والفسفور هي مادة رئيسية في المخ . هذا طبعاً شيء خرافي . ففسفور أكلة المسقوف والصيادية أو الفسيخ لا ينتقل بهذه السهولة إلى المخ . كما أن الذكاء لا يتوقف على مجرد هذا العنصر ، وتغذية المخ عملية تبدأ منذ الطفولة لا بليلة الاختبار . ولكن الناس تمسكوا بهذا الاعتقاد ، لمجرد أن يلوموا السمكة البريئة على رسوبهم . كانت والدتي رحمها الله تحرص على طبخ السمك في أيام الاختبارات ، ولا سيما بالنسبة لأخي مظفر العاجز عن فهم درس الحساب . وكلما جاءت النتيجة فشلاً ورسوباً انهالت بالشتائم عليه : "خسرتنا فلوس السمك بالبلاش وبها الأيام السودة . والله لو كان أعطيت السمكة للقطة كان حصلت نتيجة أحسن" .
كلما شممنا رائحة سمك من أحد بيوت الجيران كانت رحمها الله تقول لنا : "اسكتوا يا أولاد ماتعملون ضجة بيت أبو أحمد عندهم اختبار" .
حدث أن حلت في البيت المجاور لنا عائلة شممنا منها رائحة طبخ السمك باستمرار . وتعجبنا من شأنها أن يكون عندهم اختبارات طوال السنة . حتى اكتشفنا أمرهم كانوا عائلة بصرية وأكل السمك عند أهل البصرة يكاد يكون فريضة وسنة .
أما المعتقدات الفولكلورية فحدث عنها . رأيت سيدة ألمانية تنظر نحو بهلع وعطف وهي تراني أشرب الماء بعد أكل كثير من الكرز ، لم تتمالك نفسها من تحذيري ، قالت: شرب الماء بعد الكرز يجعل معدتك في ويل وثبور . طبعاً لم يحدث أي من ذلك ، ولكنني لاحظتها تشرب اللبن بعد أكل السمك . وكدت أن أحذرها بأن ذلك سيعطيعها بقعاً بيضاء على بشرتها لو أن كل بشرتها كانت بيضاء على أي حال فلا فائدة من النصيحة مالم أغير الفكرة العراقية فأقول لها بقعاً سوداء .
يسهل علينا أن نصف كل هذه المعتقدات بأنها مجرد خرافات وأوهام يرفضها العلم الحديث . ولكن العلم الحديث لايقل عن ذلك بشيء في خرافاته . فقبل سنوات كانوا ينصحون الممعودين بأن يتحاشوا الأكل الليفي الخشن ، غيروا رأيهم الآن وراحوا ينصحوننا بأن نركز على أكل ذلك . كانو ينصحوننا بأن نقلل من شرب الشاي ثم قالوا إنه مفيد للقلب . وحتى القهوة حذرونا منها ثم نصحونا بها .
الرأي السليم هو ألا تسمع نصيحة أحد ، استشر معدتك فقط فهي الأدرى بما يضرك وينفعك ، ولم لا؟ فهي عضو التفكير عندنا .
بقلم : خالد القشطيني
المصدر : مجلة الأسرة العدد 98 جمادى الأولي 1422هـ .