المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وصية في التزام التوحيد


يرموك
12/08/2002, 22:16
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه وسلم ، أما بعد:
فإن عقيدة التوحيد هي الأساس الذي قامت عليه دعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام ، كما قال الله تعالى:"وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون " ، وكما في قوله عز وجل : "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " . فكان كل نبي يقول لقومه :"اعبدوا الله مالكم من إله غيره " .

فإخلاص العبادة لله وحده هو الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق كما قال تعالى:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " . والقرآن العظيم من أوله إلى آخره يقرر هذا الأمر ، فتجده يقرر الإخلاص وشرائعه وينفي الشرك وتوابعه .

فإفراد الله بالعبادة هو حق الله على عباده كما قال تعالى:" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه". وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:"أتدري ماحق الله على العباد ، وماحق العباد على الله ؟حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً , وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً " . رواه البخاري ومسلم .

ولأهمية هذا الأمر وتقريره في نفوس الناس فقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة ونفي عبادة ما سواه ، حتى حقق الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ما أراده بعد سنوات من التعب والنصب وتحمل الأذى والمشاق ، فأقر الله عز وجل عين رسوله صلى الله عليه وسلم بتحقق مادعا إليه من إخلاص العبادة لله عز وجل وحده ونفي عبادة ما سواه ، فنشأ ذلك المجتمع الرباني الذي لم تشهد له البشرية مثيلاً .

وبعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه الكريم الرحيم حمل صحابته من بعده لواء تلك الدعوة المباركة ـ دعوة التوحيد ـ فنشروا هذه العقيدة الصافية في أرجاء المعمورة ، ثم حمل لواء هذه الدعوة من بعدهم تابعوهم ومن بعدهم من أئمة الهدى , ولاتزال هذه الدعوة بحمد الله ـ رغم ما اعترضها على مر العصور ـ سائرة على خطى ثابتة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

ولكن أعداء الله ـ أعداء هذه الدعوة ـ بقيادة شيخهم ومرشدهم إبليس اللعين لم يهنأ لهم بال ولم يقر لهم قرار وهم يرون دعوة التوحيد الخالصة تنتشر بين الناس ، فلبسوا على بعض المسلمين أمر دينهم حتى أوقعوهم فيما يناقض التوحيد أو ينقصه , وهكذا بدأ يسري ـ منذ قرون ـ داء الشرك ـ الذي يهدم كيان العقيدة ـ حتى انتشر بين أكثر المسلمين وانتقض أكثر عرى الإسلام كما قال أمير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه :" إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية " , مما كان السبب الرئيس في تفرق الأمة وتشتت شملها وتسلط الأعداء عليها ، وهذه سنة لله ـ تعالى ـ جارية في خلقه ، أن العباد متى ما أخلوا بدعوة التوحيد ، شتت الله شملهم ، وسلط عليهم عليهم أعداءهم .

وهذا ما نشاهده اليوم ظاهراً للعيان لا يحتاج إثباته إلى برهان ، فالشرك ضارب أطنابه بين المسلمين ، وله دعاته وحماته من مشايخ الضلال ودعاة السوء .

لقد خالطت عقيدة المسلمين النوم كثير من مظاهر الشرك ، من دعاء غير الله عز وجل من الأموات والغائبين ، مع أن الدعاء هو أجل أنواع العبادة كما قال صلى الله عليه وسلم :"الدعاء مخ العبادة " وفي رواية :" هو العبادة " ، فمن دعا غير الله عز وجل فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة ، كما قال تعالى :" ومن يدع مع الله إلهاً آخر لابرهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون " فسماهم الله عز وجل مشركين بسبب صرف هذه العبادة العظيمة لغير الله أو معه .

وكذلك الأمر في الاستغاثة بغير الله ، والذبح والنذر ونحو ذلك "ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولاينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله .قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات والأرض سبحانه وتعالى عما يشركون" .

فعلم من هذه الآية وغيرها "أن من اتخذ ملكاً أو نبياً أو جنياً أو شجراً أو حجراً يدعوه مع الله ويستغيث به ويتقرب إليه بالنذر والذبح رجاء شفاعته عند الله وتقريبه لديه أو رجاء شفاء المريض أو حفظ المال أو سلامة الغائب أو شابه ذلك : فقد وقع في الشرك العظيم والبلاء الوخيم الذي قال الله فيه :" إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً " .

ومن هنا فإننا نحذر المسلمين عموماً من الوقوع في هذه الأمور الشركية وغيرها مما يناقض التوحيد ، ونوصيهم بالسير على منهاج السلف الصالح وعقيدتهم ، ففي ذلك النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .

كما نوصي إخواننا الدعاة ـ الذين ينشدون تحكيم شرع الله عز وجل في جميع بلاد المسلمين ـ أن يصرفوا همهم وجهودهم لتقرير التوحيد وانتشال الناس من التمرغ في أوحال الشرك .

إن مما يؤسفنا ويحزننا وتضيق له صدورنا أن نجد أعداداً كثيرة من الدعوات الإسلامية اليوم تصرف جهود أربابها لغير هذا الأمر العظيم الذي هو مهمة الرسل جميعاً ، وهو الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك . مع زعم دعاة هذه الدعوات العمل على تحكيم شرع الله في حياة المسلمين! فكيف ذلك دون البدء بما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم !!! فكيف يستقيم الظل والعود أعوج !!!!
فنسأل الله تعالى أن يوفق إخواننا الدعاة إلى إدراك أهمية هذا الأمر ، والقيام به خير قيام ، أنه ولي ذلك والقادر عليه .