المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفة عند الغروب


يرموك
08/08/2002, 03:14
تغوص الشمس رويدا رويدا في مياه البحر المتماوجة ، تسحب أشعتها الذهبية ، وقطع صغيرة من السحب تسبح حولها

لا تزال الشمس في بطئها المعهود ، تودع الكون على أمل لقاء قريب متجدد ، فتبدو لي ملكة حان موعد نومها فإذا بها تسير بزهو وخيلاء حتى تصل إلى مخدعها ، تحيط بها وصيفاتها وهن يحملن ذيل ثوبها الملكي
تنظر إلى شعبها نظرة ناعسة تختلط بكثير من الحب والعطف ، تعدهم بالخروج إليهم في الغد بعطائها الذي لا ينفد إلى أن يشاء المولى عز وجل

في ظلال هذا المنظر المبهر الذي أبدعته يد القدرةالإلهية
تبدى لي أنه تذكير بشيء غفل عنه كثير من الناس ـ إلا من رحم ربي ـ ، إنه يذكرنا بيوم المعاد

تتساءلون كيف ذلك ؟

حسنا .. تأملوا جيدا .. ألا تبدو لكم الشمس في غيابها المؤقت كالإنسان عند الموت ؟
ألا يبدو طلوعها من جديد كعودة الإنسان وبعثه ونشوره ؟

هل ترونني متشائمة لأنني ربطت هذا المنظر الجميل بالموت الذي يجفل الناس من ذكره ؟
ربما .. ولكنني ـ عذرا ـ لا أعترف بهذا ، فأنا أرى أن كل شيء في الكون يذكرنا بأمور كثيرة ، ويوم المعاد من بين ما يذكرني به منظر الغروب ، والعاقل من رأى في كل ظاهرة وفي كل حدث وفي ككل أمر .. صغر أو كبر .. دق أم عظم … يرى فيه آية من آيات ربه .. تدبرها وتأملها .. فوعاها وعقلها .. وجعلها من الوسائل التي تعينه على معرفة خالقه ومن الزاد الذي يعمق إيمانه ويقوي صلته بربه

إن هذا المنظر البديع الذي يتكرر حدوثه أمامنا كل يوم لهو جدير بنا أن نبدي أمامه نظرة إكبار لتتلك القدرة المتفردة التي خلقت فأحسنت ، و التي صورت فأبدعت .. ولا غرو فإنها " صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة " فهو تعالى " الذي أحسن كل شيء خلقه "
وإنه لحري بنا أن نردد مع هذا الكون كله : سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله
أو ما تعلمون أنه " وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم "

وإن هذا المنظر لأهل أن يجعلنا نقف مع النفس لنتساءل عما أعددنا لذلك اليوم ، هل نحن متهيئون له تماما ؟ هل أدينا ما علينا ؟ هل حاولنا إكمال نقصنا ؟ هل سعينا إلى جبر كسرنا ؟ هل أعددنا زاد رحلتنا ؟
فإذا كنا قد قصرنا في شيء من ذلك ـ وككلنا مقصرون ـ فهلا عدنا ؟
هلا استكملنا نقصنا وجبرنا كسرنا ؟

هلا جهزنا لذلك اليوم عدته ؟ وكلنا يعرف ما هي .. إنها عمل صالح يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم مقرون بتقوى وإيمان يعمر القلب بالنور والخير

فإذا ما أعددنا كل شيء بقدر الاستطاعة فهل لنا أن نلتفت إلى ذلك الأخ القريب فنرشده ونوجهه ونأخذ بيده عبر دروب دنيانا هذه حتى نصل به إلى بر الأمان وننقذه من عبث الشيطان وغفلة الإنسان ؟
هلا فعلنا كل ذلك لكي نستحق حياتنا التي نحياها ووظيفتنا التي خلقنا لها ( عبادة الله وإعمار الأرض ) ؟

وها هنا من هذا المنظر الأخاذ الذي يجسد لنا أروع صور التعاون ـ بل والإيثار ـ بين تلك الملكة التي تمنح شعبها الدفء والأمان بينما تضعف هي رويدا رويدا هل لنا أن نفكر بمد يد العون لإخوان لنا يتعذبون ؟ من الويلات يقاسون .. وعلى الشدائد يصبرون .. وعلى الهموم قلوبهم يطوون .. وعند الله أجرهم يحتسبون ؟
قد جار عليهم العدو فإذا هو وأتباعه على أرضهم يلعبون .. وبالفوضى والفساد يعيثون .. وبمرأى دماء الطهر يتلذذون ؟

عما فقليل سيحل الظلام وتتلألأ النجوم في كبد السماء التي ستبدو وسط ظلمة الليل كقطعة قماش مخملية سوداء تناثرت فوقها ماسات رائعة الجمال ذات لمعان خ جذاب وبريق أخاذ فترصعها كالدرر وتبدو كشموس الغرر .. فهل عسانا نتخذ من ذلك الهدوء المحبب الذي يولد الصفاء ومن تلك النسمات الرقيقة التي تولد الانتعاش .. هل عسانا أن نتخذ من ذلك تلك الوقفة القصيرة التي ننحن بأمس الحاجة إليها لندقق في حساباتنا التي طوتها دفاتر الأيام ولنحرص على ما يأتي لكيلا يطوى أيضا ويصبح في سجل النسيان ؟

وهل لنا من خلال تأمل هذا النظام الرائع والجمال الفائق أن نزداد إيمانا بوجود الخالق ووحدانيته

وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد

فتتضاعف خشيتنا منه ويزداد شكرنا له على نعمه ، وتطلعنا إلى فيض كرمه ، بعد أن نؤدي ما به أمرنا ؟

كانت هذه خواطري عندما شهدت مغيب شمس اليوم وهذه همسة أخيرة :
" فلتكن حياتنا حياة عبادة ، وحياة تأمل واعتبار وتدبر في ملكوت السموات والأرض لنحظى برضا الرحمن وعليا الجنان "