المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حياتنا بين الأمس واليوم


روز رايز
08/06/2002, 14:50
لنبحر بين أسطر وكلمات هذه القصة ونتعلم منها ماكنا غافلين عنها ونستفيد منها

تمهيد
رجع الجد مع ابنه عبدالرحمن وحفيده أحمد إلى المنزل بعد سفر قصير زارا خلالها قريتهم ومنازلهم القديمة،ورأى الحفيد صورا من حياة الآباء والأجداد ،واطلع على بعض طرقهم وأساليبهم في العيش والسفر والزراعة..عادوا وقد حمل كل واحد منهم صورالناضي الجميلة ،وذكريات التاريخ العبقةالشئ الكثير.
ولكن هل يمكن أن تكون تلك المشاهدات التي رآهاكل واحد منهم وهم يمثلون أجيالا مختلفة بنفس اللون والطعم والأثر؟بالتأكيد فإن الإجابة ستكون بالنفي..
وهاهم وقد جلسواعلى الكرسي الوثيرة،وأحضرت لهم الحفيدة الوسطى قهوة المساء مع طبق لذيذ من التمر،وفي عقل كل واحد منهمم من الشجون المتداخلة ،والتداعياتالذهنية مايريد أن يعبر عنها لجيله الآخر.
وبعد أن شرب الجميع فنجانهم الأول ،وأكلوا من تلك التمرات اللذيذة ،إذا بالحفيد أحمد يستأذن جده في طرح سؤال أشغل باله كثيرا ،وقد رأى من خلال تلك المشاهدات ماكان عليه الآباء والأجداد من حياة متواضعة.

أحمد: عفوا جدي..أنا لا أدري كيف عشتم في الماضي ،وعلى أي حال كانت حياتكم في تلك السنين الغابرة..وليس عندكم من مظاهر الحضارة والرقي شيئا يذكر ..فلا كهرباء،ولا مواصلات ،ولااتصلات،ولاإعلام..ولا غيرها مما يعد اليوم من ضروريات الحياة؟!!
الجد: (وهو يرشف فجان القهوة )ومع ذلك ياأحمد عشنا بحمد الله أحسن عيشة ،وليس كماتتصور؟!
أحمد: (وقد تعجب من هذه الإجابة)أنالم أفهم ..أرجو أن توضح لي ماقلت بشئ من التفصيل؟
الجد: (وقد اعتدال في جلسته)صحيح أننا كنا في ضيق من ذات اليد،وحال وظروف صعبة..إذا لم تكن وسائل النقل إلا الإبل والحمير ،ولا لجدب الماء من الآبار إلا السواني ،ولا لطبخ الطعام إلا الحطب ،وكانت بيوتنا ومساجدنا مبنية من الطين ،وفرشنا مصنوعة من سعف النخل ،وأحذيتنا من جلود الأنعام،وغير ذلك مما رأيته وتعجبت منه،ولكننا (وهو يؤمق ابنه بابتسامةحانية)كنا مع كل هذا ماريأيت وسمعت في وضع وحال سارة ولله الحمد.!!
أحمد: (بتعجب )أتكون حياتكم سارة ..وأحدكم إذا أراد سفرا لا يجد من الوسائل إلا قدميه أو راحلته!!وإذا جاع يتعب في الحصول على كسرة خبز أو لقمة طعام !!وإذا مرض تراه يموت في مرضه لا يجد طبيبا ولا دواء!!وإذا عطش لا يشرب إلا من السواقي ماء حارا أو غير نظيف!!
الجد: لا،لا ياأحمد إنك نظرت إلى واقعنا نظرة مادية ضيقة فحسب،وجئت تقيسهعلى ماتعيشه اليوم من تطور وتحضر.
أحمد: (بحماس)إذا ماذا تقصد؟
مميزات حياة الأمس:
الجد: أقصد أننا كنا أحسن حالا منكم في كثير من الجوانب ..الإيمانيةوالنفسية والأخلاقية والإجتماعية..وباختصار يكفي أننا نعيش في اطمئنان قلبي ،وراحة نفسية،والتي فقدها أكثركم وهو يلهث وراء الدنيا وشهواتها من :شراء الموديلات الجديدة من السيارات والملابس والكماليات ،والتباهي بأفخر أنواع المأكولات والمشروبات ،والإنفاق بسخاء على السفر والترفيةهنا وهناك..كل ذلك بحثا عن السعادة والاطمئنان!!
الأب: (يتدخل في النقاش قائلا)ياأحمد لقد عشت الحياتيت معا، وذقت طعم كل منهما ،وأقول بصراحة:رغم ماأصبحنا نعيشه اليوم من نهضة كبيرة في كل المجالات الناديةإلا أن واقعا بالأمس كان أفضل في عدة جوانب.
أحمد: مثل ماذا؟
الأب: خذمثلاالجانب الإيماني: كان الواحد منا في الغالب حريصا على صلاته مؤديا لها في المسجد ،مبتعدا عن المحرمات ،حريصا على كثيرمن الطاعات،وفي الجانب الإجتماعي كانت هناك جوانب رائعة مثل :بر الوالدين وطاعتهما ،وصلة الرحم ،واحترام الجار ،وإكرام الضيف ،وفي الجانب الخلقي :كان خلق الصبر والتحمل ،والرجولة،والحلم،والتواد،واحترام الكبير،والعطف على الفقير،وفي الجانب النفسي:كان السائد هو :اطمئنان القلوب وهناءة البال والشعور بالرضاوالسرور.!!
أما اليوم فقد امتلأت قلوب أكثر الناس-إلا من رحم الله-بالحسد،وضعفت الأواصروالعلاقاتبين الأهل والأصحاب،وأصبحت علاقات مصالح ومطامع وكثرت المشاكل والمظالم،وشاعت أمراض العصر من الضغط والسكر،وأصيبت النفوس بالهم والحزن والاكتئاب...فماذا بقي لنا إذا من حضارة الإسمنت والحديد؟!!
الإسلام دين التطور:
الجد: (وهو يهدئ من حرارة الحوار)ياأبنائي إن وجود هذه الوسائل وتوفر هذه الإمكانات نعمة كبرى عليكم في هذا العصر مقارنة بما كنا عليه سابقا، كما أن ديننا ولله الحمد ليس ضد التطور والتمدن كما يظنه الجاهلون به،إنما يدعو إلى الأخذ بأسباب الرقي والتحضر في كل المجالات ،بشرط أن يكون منضبطا بقيم الاسلام وتعاليمه ،(وهو يتنهد)ولكن.
أحمد: ولكن ماذا ياجدي؟
الجد: ولكن بعض المسلمين اليوم-هداهم الله -خدعتهم هذه الحضارة ببهرجها وتقنياتها،وانشغلوا بالدنيا وشهواتها عن سر سعادتهمواطمئنانهم،وعن الرسالة التي من أجلها خلقهم الله عزوجل !
أحمد: وأي رسالة تعني!
وظيفة المسلم الحقيقية:
الجد: أعني أن المسلم خلقه الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة ليس لأجل الانشغال بالوسيلة وهي الدنيا والتمتع بها،إنما خلقه الله لأداء رسالة كبيرة ووظيفة عظيمة حنى يسعد في هذه الحياة وفي الآخرة ألا وهي:طاعته وعبادته ،كما قال تعالى: (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) والعبادة ليست هي القيام بأداء الصلاة المفروضة فقط وعلى تقصير وإهمال..!!كلا ،وإنما المقصود أن نطيع الله ونلتزم بأوامره ونواهيه في كل مجالات حياتنا..ثم لا نتنس ياأحمد أننا نحن المسلمين أمة رسالة ودعوة وليست أمة لهو ولعب وهزل!وعلى كل فرد فيها رجلا كان أو امرأة أن يقوم بهذا الواجب ،وأن يستشعر مسؤوليته تجاه تبليغ هذا الإسلام لأولئك الناس المتعطشين إلى تعاليمه ومثله في كل مكان من الدنيا.
أحمد: حقا ياجدي ،لقد كدنا أن ننسى رسالتنا في هذه الحياة ،بسبب التعلق الشديد بالدنيا وبما أنعم الله علينا به من نعم كثيرة في هذا البلد المبارك.
الأب: (وقد بدأ عليه الحماس)نعم والله ..نحن في بلادنا هذه نعيش في وفرة من النعم تحسدنا عليه بلاد كثيرة حولنا ،فما بين وحدة كلمة ، وأمن وارف،وسعة رزق،إلى توفر مطاعم ومشارب ،ومساكن ومراكب،إلى غير ذلك مما لا نستطيع حصره من النعم والتي من أكبرها وأعظمها نعمة الإسلام والإيمان.
الجد: (وبشئ من النبرات الحزينة)ولهذا مالم يقم الجميعصغيرا كان أو كبيرا ،بشكر هذه النعم حق شكرها فإننا نخاف في يوم من الأيام أن تعود حياتنا كما كانت عليه في السابق من الضيق والحرج وليس ذلك على الله ببعيد،وأن يسلب منا هذه النعم كما سلبها الله من بلاد أخرى وأمم سابقة ،لأنهم كفروا بنعمة الله عزوجل فألبسهم الله لباس الجوع والخوف والفرقة والحروب،بسبب ماكانوا يصنعون ويكسبون من الذنوب والمعاصي وإهمال حقوق الله عليهم.
صور من الجحود:
أحمد: ولكن ياجدي ألسنا نشكر الله ونحمده عند كل طعام وشراب ،ونؤدي الفرائض المطلوبة ..ألا يعد هذا شكرا للتعمة.؟
الأب: (مستأذنا الحديث من أبيه)ياأحمد إن ماذكرته يعد جزءا من شكر النعم ،أما شكرها الحقيقي ،فإنما يكون بالقلب واللسان والجوارح كلها،ولهذا أسألك ياأحمد هل من شكر النعمة:
-أن لايؤدي بعض المسلمين الصلاة مطلقا ،أو لا يؤدنها إلا بعد خروج وقتها وخاصة صلاتي الفجر والعصر!!
-أو أن تجد بعضهم لا يؤدي فريضة الزكاة ،ويرتكب كثيرا من الفواحش والمنكرات!!
-أو ترى بعضهم يسمع ماحرم الله عليه من الأغاني والموسيقى ،ويشاهد ما لا يجوز له مشاهدته!!
-أو أن يهمل الرجل زوجته وأولاده فلا يربيهم على تعاليم الإسلام وأحكامه!!
-أوأن تخرج بعض المسلمات بلا حجاب ساتر ،أو بكامل زينتها لتختلط بالرجال وتفتنهم!!
-أو أن يضيع المسلم وقته وجهده في غير عمل صالح أومفيد لنفسه أو لوطنه!!
أحمد: (وقد تأثر كثيرا بما قاله والده)لا ياأبي ..أن مثل هذا هؤلاء يعدون جاحدين لنعمة الله عليهم ،ويخشى على أحدهم أن يأتيه الموت وهو على هذه الحالةالمؤسفة،فيندم حينما لا ينفع الندم!!لهذا أنصحهم بالتوبة قبل فوات الأوان ...ولكن ياجدي كيف نقوم بشكر هذه النعم حتى تدوم علينا ونحفظها من الزوال؟
الجد: هذا سؤال مهم يجب أن يطرحه كل مسلم -ومسلمة- على نفسه ،لأن الإنسان إذا لم يستثعر أنه في نعمة فكيف يفكر في شكرها ،فضلاعن أن يقوم عمليا بشكرها ؟ومن جانب آخر لا يصح أن يقول كل منا :ماذا يكون وزني وأهميتي من بين هذه الملايين إن شكرت أو لم أشكر ،أو أصلحت أو لم أصلح ؟!فهذا مدخل شيطاني يريد به أن يضيعه في دروب اللهو والغفلةوالخسران ،ويحرمه الفوز بالجنة ومنازلها الرفيعة،فاحذر ياأحمد هذه الحيلة ،وبادر بإصلاح نفسك وتربيتها تربية إسلامية متكاملة،وماعليك بعد ذلك من مسؤولية نحو الآخرين إذا أنت بذلت مانستطيع من جهد وطاقة في دعوتهم وإصلاحهم.
كيف نشكر النعم؟
الأب: كلمات رائعة ومؤثرة لمن كان له قلب ،وفكر يثاقب عقله ،ورأى أن من شكر النعم-بعد إذنك ياأبي -القيام بخمسة أمور سهلة:
الأول :أداء جميع الواجبات وخصوصا أداء الصلوات الخمس جماعة في المسجدوفي وقتها.
الثاني :الأبتعاد عن الذنوب والمعاصيوالإقلاع عنها منذ الآن ،وإذا حصل شئ من ذلك فيما بعد فيجب المسارعة إلى التوبة النصوح.
الثالث:استعمال هذه النعم فيما خلقها الله لأجله ،فمثلا هذه الجوارح من السمع والبصر واللسان وغيرها نستعملها ونوظفها فيما يرضي الله لا فيما يسخطه من السماع أو النظر المحرم،وكذلك المال والصحة والفراغ نوجهه في الخير والإحسان إلى أنفسنا وإلى الآخرين ،وهذه المطاعم والمشارب وغيرها نقتصد فيها ماتبقى منها لمن يستفيد منها..وهكذا .
الرابع:الحرص على أداء بعض الطاعات والأعمال الصالحة اليومية وذلك من مثل:السنن الرواتب ،وقراءة القرآن الكريم ،وأذكار الصباح والمساء ،وصلاة الوتر ولو ركغة واحدة.
الخامس :القيام بواجب الدعوة إلى الله ،وإصلاح الناس ،وتوجيههم إلى كل خير ونهيهم عن كل شر ،فلو أن كل مسلم ومسلمة قام بهذا الواجب مع نفسه وأهل بيته وأقاربه لصلح المجتمع وشعر بالسعادة والمحبة والمودة ..إلخ.
الجد: هذه توجيهات مختصرة مفيدة ذكرها أبوك ياأحمد ،وبلا شك هناك الكثير منها ولكن لنبدأ بالإصلاح ولو بالخطوة الأولى ..جعلنا الله ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
الجميع :آمين يارب العالمين.
ويقوم الجميع لتناول طعام العشاء بعد أمسية أبوية ممتعة.


منقول من نشرة حياتنا بين الأمس واليوم


باااااااااااااا(l) (w) اااااااااااااااي