المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم من قاتل مع المحتل .. من التراث الجهادي المغاربي


عدو المشركين
10/07/2006, 02:47
من الظواهر التي أفرزها الاحتلال الأجنبي للأراضي المغربية اضطرار بعض القبائل إلى التحالف مع المحتل ومؤازرته في الغارات التي كان يشنها على السكان ومن الواضح أن ذلك التحالف لم يكن نتيجة رضى أو اقتناع ، وإنما كان نتيجة استسلام للخوف على النفس و المال ، و الأنقياد للخونة و العملاء من الشيوخ و القواد ، ونتيجة أيضا لضعف سلطة المسؤلين المغاربة وعجزهم عن حماية السكان من بطش المحتلين وعملائهم
وقد أشار (طوريس ) المؤرخ البرتغالي إلى نفوذ الخائن يحيي بن تعففت بمنطقة دكالة ( تم اغتياله على يد المجاهدين سنة 924هـ / 1518 م ) الذي كان عميلا للبرتغاليين ومتحكما في مجموعة كبيرة من القبائل بحيث كان يستطيع تجنيد أكثر من اثني عشر ألف فارس وعدد كبير من المشاة من السكان المغاربة في صفوف البرتغاليين . ففي إحدى الغارات التي شنها البرتغاليون على مراكش بلغ عدد المغاربة أربعمائة فارس إلى جانب خمسمائة من البرتغاليين ، وهو عدد كبير بل إن كثير من الغارات كان عدد المغاربة يفوق النصارى

وقد شكلت هذه الظاهرة المخزية عقبة أمام المجاهدين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى محاربة العدو البرتغالي من جهة، ومحاربة القبائل المتحالفة معه من جهة ثانية، مما تطلب منهم جهودا مضنية

وقد احتفظت لنا كتب النوازل بمجموعة من الفتاوى التي عالجت هذه الظاهرة ، ونصت على أن من يحمل السلاح مع العدو الكافر ضد المسلمين ويحاربهم يكون حكمه كحكم الكافر في نفسه وماله .
فقد أفتى الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله الأنصاري بأن من أشهر السلاح مع النصارى وأتى في عسكرهم فقد مرق من الدين ، فحكمه حكم النصارى في دمه وماله ( النوازل الصغرى ج1 ص 419 )

وسئل الفقيه أبو العباس بن زكري عن قبائل من المغرب الأقصى (( امتزجت أمورهم مع النصارى ، وصارت بينهم محبة حتى أن المسلمين إذا أرادوا الغزو ، أخبر هؤلاء القبائل النصارى ، فلا يجدهم المسلمين إلا متحذرين ، وربما قاتلوا المسلمين مع النصارى )) فأجاب بأن ما وصف به هؤلاء من أفعال يوجب قتلهم كالكفار الذين تولوهم ، ومن يتولى الكفار فهو منهم ( نفس المصدر السابق )

وقد وجه الأمير عبد القادر بعد إحتلال الفرنسيين للجزائر إستفتاء للفقهاء المغاربة وتسائل فيه هل ينفذ في المتعاونين مع الفرنسيين على قتال إخوانهم المجاهدين حكم المرتدين في أنفسهم و أموالهم ونسائهم و أولادهم ؟

فمال الفقيه عبد الهادي العلوي في جوابه إلى القول بعدم تكفيرهم وعدم إباحة دمائهم بالردة ، واستدل بما نقله البرزلي في هذا الباب في شأن المعتمد بن عباد عندما اختلف فقهاء المغرب في أمره فأفتى اغلبهم بردته ، وأفتى آخرون بعدم ردته . فأخذ يوسف بن تاشفين برأي الأقلية فلم يقتله . و أورد قول ابن جزي في قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) بأن من كان يعتقد معتقدهم فإنه منهم من جميع الوجوه ، أما من خالف معتقدهم و أحبهم فهو منهم في المقت عند الله و استحقاق العقوبة .( النوازل الصغرى ج1 ص414)

أما التسولي فقد مال في جوابه على ان أولئك العملاء إذا أظهروا الميل للعدو الكافر وتعصبوا به فيقاتلون قتال الكفار ومالهم فيء ( جواب التسولي على أسئلة الأمير عبد القادر الجزائري ص 277 )

وبعد أن ساق ما أفتى به بعض الفقهاء من وجوب محاربة القبائل التي تقوم بقطع الطرقات ونهب أموال المسلمين وغير ذلك من الأعمال المنضوية تحت الحرابة ، عقب على ذلك بقوله (( وإذا كان يقاتل من أراد إفساد الكروم وغابة الزيتون فكيف بمن يريد إفساد الدين بالكتم على الجواسيس ونقل الأخبار ومبايعة الكفار ؟ فهم أسوأ حالا من المحاربين لأنهم تولوا الكفار ، ومن يتولى الكفار فهو منهم )) ( المصدر السابق ص 202 )

وهو حكم صائب ، فإذا كان الفقهاء قد رأوا قتل الجاسوس وهو الذي يعن الأعداء بنقل أخبار المسلمين إليهم ، وإذا كان الإمام الونشريسي قد أفتى بأن مجرد الدعاء للكفرة بطول البقاء وطول المدى (( علم على ردة الداعي و إلحاده وفساد سريرته و اعتقاده ، لما تضمنه من الرضى بالكفر ، و الرضى بالكفر كفر )) ( المعيار الجديد ج3 ص 20 ) فكيف بمن يحمل السلاح إلى جانبهم ، ويدافع عنهم ، ويقتل إخوانه المسلمين ويفعل بهم ما يفعله الأعداء من أسر ونهب ؟ وفوق ذلك يمكن الكفار من التسلط على أراضي المسلمين ورقابهم ؟

إن قتال مثل هؤلاء في نظرنا أوجب و أولى من قتال الكفار ، لأنهم أشد خطرا و أكثر ضررا على الإسلام و المسلمين ، ذلك أن معرفتهم بالمناطق و المواقع وبنفسية السكان وتقاليدهم تجعل استفادة العدو منهم هامة وخطيرة ، فهم من هذه الناحية بمثابة الجواسيس ، كما أن انحيازهم للعدو يدفع الكثيرين من ضعاف النفوس إلى الإقتداء بهم إما خوفا و إما طمعا ، وهو ضرر لا يقل خطورة عن الضرر الأول ، هذا بالإضافة إلى قتالهم المباشر للمسلمين ، فلو لم تكن لهم من هذه المخاطر إلا واحدة لكانت كافية لقتالهم كما يقاتل الكفار المعتدين